بيانات حركة أحرار البحرين

الشعب مستمر في الكفاح لأنه واثقٌ بحتمية النصر الإلهي الموعود

إذا سلم البحرانيون من نيران الخليفيين وذخيرتهم الحيّة في المظاهرات السلمية، فإنهم لا يسلمون من اعتداء عناصر الأمن على أسراهم في المعتقلات وطوامير التعذيب الخليفية. هذا ما يؤكده ثلاثة من معتقلي الرأي: محمود عبد العزيز وحسين هلال الزاكي وعلي المطوّع الذين أصيبوا بجروح عندما اقتحمت قوات الأمن الخليفية المبنى رقم 3 بسن جو صباح الأحد الماضي (30 مارس). فقد استشاط الخليفيون غضبا وهم يرون أسراهم البحرانيين يتلون آيات القرآن الكريم بإيمان وخشوع في الليالي الأخيرة من شهر رمضان المبارك. فالطغاة يعلمون أن من يرتبط بالله سبحانه وتعالى من خلال القرآن الكريم فإنه يتحرّر تماما من الجبت والطاغوت وتجلياتهما في حكّام الجور الذين يسومون العباد سوء العذاب. ففي عمق السجون تستيقظ القلوب والعقول وتبتهل إلى بارئها في بطن الليل، مستصغرة بطش فرعون وهامان وجلاوزتهما. فكلّما قرأوا من القرآن آية تعمّق إيمانهم بعظمة الله وقوّته، وصغر في أعينهم الطغاة المتجبّرون، فأصبحوا أكثر إصرارا على التصدي لهم مستعينين بالقوّة الإلهية، متذرّعين بالإيمان، مفوّضين أمرهم إلى الله سبحانه.

ما أشدّ غضب الطغاة وهم يرون السجن يتحوّل إلى مدرسة يتدرّب فيها عباد الله المخلصون الذين سجنوا فيها بسبب إصرارهم على رفض الطغاة والمتجبّرين الذين نصبوا أنفسهم آلهة من دون الله. ولكن ما عساه أن يفعل وهو يرى نفسه خاسرا في كلتا الحالتين، سواء اعتقل المناضلين أم تركهم يهتفون في الشارع العام ضده وضد عصابته وداعميه. تتداخل الأفكار والسياسات في عقل الطاغية فلا يهتدي سبيلا، بل يجد نفسه في ضلال دائم لا يقوى على الخروج منه. وشيئا فشيئا يصبح أسيرا لأوهامه وللوعود التي يقدّمها أسياده في واشنطن ولندن، فيرى تلك الوعود جوفاء، خالية من الخير، مصداقا للوصف القرآني الدقيق: “إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم”. المواطنون أطاعوا الله سبحانه وتعالى فصدقهم وعده، وسيورثهم الأرض وما عليها، فأصبحوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. لقد صدقوا الله ما عاهدوه عليه فلم يتخلّفوا عن الركب المجاهد الذي وضع أفراده أرواحهم في أكفّهم ومشوا إلى مصارعهم، راضين مرضيين. أليس هذا ما حدث للشهيد حسين خليل الرمرام الذي كانت الذكرى الأولى لاستشهاده مناسبة تحرّك فيها المعتقلون السياسيون لاستحضار حياته وصموده واستشهاده في السجن أمام أعينهم؟ وعلى مدى عام كامل كانت روحه الطاهرة ترفرف في سماء البحرين، تذكي الثورة في النفوس وتضيء الطريق لأجيال جديدة نشأت بعد اندلاع ثورة الشعب في 14 فبراير واستلمت الراية ممن سبقهم من الشهداء، فأصبحوا جنودا للحرّيّة والحق والعدل لا يُهزمون ولا ينكصون. إنه الإيمان الراسخ الذي يصوغ شخصية الفرد والجماعة على طريق الوعي والنضال بعد أن يروا مصائرهم رأي العين، ويتشبثون بمباديء الدين وأخلاقه ويرغبون في ما عند الله، ويزهدون في دنيا الطغاة والمجرمين، وعالم الجلادين والسفّاحين.

لقد أدّى الأحرار صومهم بوعي، فرأوا فيه وسيلة للتمرّد على الشهوات والنزوات والرغبات الشيطانية، فلم يعد في الدنيا ما يغريهم أو يدفعهم نحو دنيا فرعون وجلاوزته. بل رأوا الجنّة رأي العين فيمّموا وجوههم نحوها بثقة تامّة، وإيمان راسخ. هذا الجيل الفولاذي موجود وراء القضبان، وفي الشارع العام وفي الأزقّة الضيّقة. يرتاد المساجد ليتزود منها ما تحتاجه روحه من صعود إيماني، ويطوف في الشوارع هاتفا بالحرّيّة، مستفيضا من روح الإباء والكرامة، ويتعلّم من حياته معاني التضحية والعطاء. لقد استمع كثيرا إلى قصة الحسين بن علي عليه السلام، فاستوعب معنى الشهادة ورأى في الحسين خير مصداق لها. فلا شيء يحول بينه وبين التصدّي، كما فعل الحسين، للظاهرة اليزيدية والمشروع الأموي المقيت. ولقد اجتهد للتعرف على مقوّمات ذلك المشروع الذي كان وما يزال يستهدف الإسلام المحمّدي الذي ينتمي إليه الأحرار عبر العصور والساحات. وبوعيه وإدراكه وبحثه أصبح واعيا لطبيعة ذلك المشروع الاستئبدادي الذي حوّل حكم الإسلام المنفتح إلى نظام قبلي توارثي مقيت استمر مهيمنا على بلداننا حتى اليوم، جاثما على صدور الشعوب، رافعا عقيرته لضرب من يسعى للإصلاح والتغيير على غرار منهج الحسين عليه السلام. فمن لا يعترف بالعبودية للحاكم الباغي المنحرف الذي ينحدر من السلالة الحاكمة تُسلّط عليه سيوف الظالمين ويُنكّل به أيما تنكيل. هذه هي القصة التي تتكرر على المنابر في كل عام حين تحل ذكرى استشهاد الإمام الحسين وأهله وأصحابه. وتمثل واقعة الطف منطلقا لمشروع التحرير الذي تواصل عبر العصور وسوف تتحقق أهدافه بعون الله على يدي المصلح المقدّس من آل بيت رسول الله الذي سيظهر يوما ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

الذين شهدوا شهر رمضان المبارك وصاموا أيّامه بنوايا صادقة ورغبة أكيدة في العبادة والتقرّب إلى الله يجدون أنفسهم قادرين على استيعاب حقائق الدين والوعود التي ذكرها القرآن الكريم خصوصا حتمية انتصار المؤمنين: إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون. هؤلاء لا ترتاب نفوسهم أو يدخل الشك في عقولهم، لأن إيمانهم ثابت في قلوبهم التي انفتحت على خالقها وأيقنت أن التعبّد له يمثل ذروة الحرّيّة والكرامة، فلا إله غيره، ولا رب سواه: “ألا له الخلق والأمر”. يستمعون الأنباء يوميا ويشعرون بالألم عندما تُسحق كرامة الإنسان سواء على أيدي المحتلّين في غزة أم المستبدين في الرفاع، فيزدادون إصرارا ليس على إيمانهم النظري فحسب، بل على كل ما يتأسس على ذلك الإيمان من ثقة بالوعود الإلهية التي ذكرها القرآن الكريم، أو التي تفوّه بها رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام. إنهم يعيشون الأمل ويتحمّلون الألم ويثقون في الوعد الإلهي بحتمية نصر المؤمنين: “إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد”. وكلّما صكّ أسماعهم خبر عن اضطهاد إخوتهم في الدّين والإنسانية في أي مكان تعمّقت آلامهم وتوثق إيمانهم بحتمية انتصار الحق وهزيمة الباطل: “قل جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا”.

في مدرسة الثورة البحرانية أصبح الوعي ظاهرة في الأوساط الإيمانية المجاهدة التي يبذل أهلها الجهود من أجل نيل رضا الله. كما أصبح الاستعداد للتضحية والفداء سمة عامّة تدفع الرجال الكبار والشباب اليافعين مستعدّين للتواجد في الميادين كجانب من توسيع الدائرة الجماهيرية التي أنيطت بها مهمّة التغيير، والتي أعلنت انتماءها للمشروع الإلهي لكي يستبدل التراث الأموي من هذه الأمّة، ذلك التراث الملطّخ بدماء الشهداء والقائم على أسس من تحريف معاني القرآن الكريم وتزوير الحديث النبوي وسلب حرّيّات البشر وتكريس السلطة بأيدي العناصر القبلية التي وصفها القرآن الكريم بقوله: “قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم”. وما الإرهاصات التي تمرّ بها شعوب المنطقة إلا تجلّيات للمحنة التاريخية التي حلّت بالأمّة منذ هيمنة المشروع الأموي عليها. وهي إرهاصات سوف تتواصل حتى يرث الله الأرض ومن عليها. إنها حلقة في مسلسل تاريخي طويل لن يتوقف حتى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون. لذلك نهيب بأهلنا في البحرين أن لا يسمحوا للشيطان بإدخال الشكوك في نفوسهم، وأن يبقوا أوفياء للإيمان المحمّدي ويثقوا بالوعود الإلهية بالنصر المحتوم.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
4 أبريل 2025

زر الذهاب إلى الأعلى